الشيخ محمد هادي معرفة
409
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
مخرج الشكّ للمبالغة في العدل والمظاهرة في الاحتجاج . فمن ذلك قوله تعالى : « وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . « 1 » وقوله : « قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ » « 2 » وعلى هذا النحو خرج مخرج قوله تعالى : « أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا » « 3 » جاء على التسليم أنّ لهم مستقرّا خيرا من جهة السلامة من الآلام ، لأنّهم ( أي المشركون ) ينكرون إعادة الأرواح إلى الأجساد ، فقيل : على هذا « أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا » . ومنه قوله : « وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » « 4 » على التسليم أنّ أحدهما أهون من الآخر فيما يسبق إلى نفوس العقلاء . « 5 » سُطوع براهينه قلت : دلائل القرآن لامعة ، وبراهينه ساطعة ، لكن لاعلى الأساليب المعقّدة التي ينتهجها أرباب الكلام ، بل على طريقة العقلاء في متعارفهم ، في قوّة منطق وإناقة بيان . فقد أخذ من المسلّمات ( القضايا البديهية والمعترف بها ) برهانا على النظريّات ، ومن المشاهدات المحسوسة دليلًا على حقائق راهنة لامحيص عنها . كلّ ذلك على طريقة واضحة ومحجّة لائحة . يستذيقها الطبع ، ويستلذّها الذوق ، وتستسلم لها العقول . « إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ » . « 6 » * منها قوله تعالى : « قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ » . « 7 » هذا استدلال على الطريقة العقلانية ، إذ لو كان للّه ولد - كما يقوله هؤلاء البعداء عن ساحة قدسه تعالى - لكان أول معترف به هم الرسل الذين جاؤوا من عنده ، وهم أقرب إليه ممّن سواهم . * وقوله : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » . « 8 » وقد أوضحَته آية أخرى : « مَا اتَّخَذَ اللَّهُ
--> ( 1 ) - سبأ 24 : 34 . ( 2 ) - الزخرف 81 : 43 . ( 3 ) - الفرقان 24 : 25 . ( 4 ) - الروم 27 : 30 . ( 5 ) - النكت في إعجاز القرآن ، ص 105 . ( 6 ) - ق 37 : 50 . ( 7 ) - الزخرف 81 : 43 . ( 8 ) - الأنبياء 22 : 21 .